عبد الشافى محمد عبد اللطيف
41
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وتسعين ومائة بالمدينة ، وهو يحدث بالبقيع ، وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون ، فحدث بأحاديث ، حتى حدثهم عن محمد بن إسحاق ، فأمسكوا ، وقالوا : " لا تحدثنا عنه ، نحن أعلم به " ، فذهب يزيد يحاولهم ، فلم يقبلوا منه ، فأمسك يزيد ( 1 ) . ويزيد بن هارون هذا من تلاميذ ابن إسحاق . وبيد أنه كان من أثر موقف مالك من ابن إسحاق أن الإمام البخاري لم يخرج له أحاديث ، بينما خرج له الإمام مسلم حديثا واحدا ، من أجل طعن مالك فيه ( 2 ) . ولكن رغم كل ذلك فإن ابن إسحاق سيظل جليل القدر ، عظيم المكانة عند العلماء . * آثار ابن إسحاق العلمية : ينست ابن النديم في الفهرست ( 3 ) لابن إسحاق كتابين ، أحدهما : كتابه المشهور ، ويسميه ابن النديم كتاب : " السيرة والمبتدأ والمغازي " ، والثاني : يسميه كتاب : " الخلفاء ، وهو مفقود ، ولم يصل إلينا حتى الآن ، أما الكتاب الأول فهو الذي وصلنا في صورة تكاد تكون كاملة ، عن طريق عبد الملك بن هشام ، برواية زياد بن عبد الله البكائي ، والذي أصبح مشهورا في أوساط العلماء بسيرة ابن هشام . وبينما يسميى ابن النديم هذا الكتاب : كتاب " السيرة والمبتدأ والمغازي " نجد محمد بن سعد - وهو أسبق من ابن النديم - يسميه كتاب المغازي فقط ، ولعل مرجع ذلك الاختلاف في التسمية هو أن المسلمين كان اهتمامهم في مبدأ الأمر منصبا على مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الصحابة يعلمون أولادهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما يعلمونهم سور القرآن الكريم ، وذلك لأهمية المغازي عندهم ، ولما فيها من جهاد وتضحيات كبيرة ، ولما فيها من تشريع وأحكام وقواعد فقهية وآداب وسلوك أخلاقي عظيم من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن صحابته الكرام ، فكانت القدوة في كل ذلك عظيمة ، ومن ثم كان حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على تعليم أولادهم مغازي الرسول وكل ما يتعلق بها من أحكام وتشريع وآداب ، فلما بدأ عهد التدوين كانت المغازي أول ما حظي بالاهتمام الأكبر من العماء ، وبدؤوا في تدوينها مستقصينكل أخبارها ، ومتتبعين خطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل غزواته ، حتى أن بعضهم - محمد بن عمر الواقدي ، على سبيل المثال - كان يحرص على
--> ( 1 ) تاريخ بغداد ( 1 / 226 ) . ( 2 ) وفيات الأعيان ( 4 / 277 ) . ( 3 ) ( ص 136 ) .